|
كان التكون الذهني لمصطفي صفوان، قبل أن يصبح محللاً ومُنظراً في حقل تجربة التحليل النفسي، فلسفياً.
قام بترجمة كتاب فرويد «تفسير الأحلام» إلى العربية، عندما كان خاضعاً في وسط أربعينيات القرن الماضي للتحليل تحت إشراف «مارك شلومبرجه»، كمتعلم في «جمعية التحليل النفسي الباريسية» اختار «جاك لاكان» كمشرف على تحليله في بداية الخمسينيات وظل منذ ذلك اليوم واحداً من الأوفياء والمقربين له.
بعد حل «المدرسة الفرويدية»، أصبح مصطفى صفوان من الأعضاء المؤسسين «للجمعية التأسيسية للتحليل النفسي»، في عام 1983، ومن ثم «المؤسسة الأوروبية» للتحليل النفسي. مؤلف للعديد من الأعمال، من ضمنها «البنيوية في التحليل النفسي» و«دراسات حول أوديب»، المنشورة على التتابع في عامي 9168 و1974 في منشورات «سي»، وحتى قيامه بنشر «اللاكانيا» في منشورات «فيارد» عام 2001.
٭ آلان ديديه فيّي: أنتَ واحد من المحللين القلائل الذين تابعوا وقدروا دروس«لاكان» منذ خمسينيات القرن الماضي، حتى قبل بدء محاضراته العامة. ما الذي جرى أثناء لقائك بـ«لاكان» الذي أحدث تحولاً في العمل التحليلي لم تبطل مصداقيته منذ أربعين عاماً؟
مصطفى صفوان: في المرحلة التي بدأت العمل بها مع «لاكان»، كمشرف على التحليل، لم أكن أفهم أي شيء مما يحدث في هذه التجربة. إلى حدّ كنت أفكر بترك التحليل النفسي. كنت أعتقد بأني سأجد شيئاً آخر أقوم به…
لقد كان فهم التحليل النفسي حينذاك محصوراً أما بفهمه باعتباره سيكولوجية أعماق، مع أن هذا العمق قد أصبح سطحاً بكامله، وذلك لأن الاستيهامات (الفنتازمات)- المتعلقة بالإغواء، القتل، وأكل لحوم البشر- كانت معروضة على ورق أي كتاب، أو كسيكولوجية سلوك تدع نفسها تُقاد عبر مفاهيم تمّ تجريبها في المختبر، كتعابير «الإحباط، العدوانية، والتقهقر» عند الفئران مثلاً.
لم أكن مقتنعاً بكل هذا، وعندما التقيت بـ«لاكان» الذي كان يقول: «التحليل النفسي هو تجربة الخطاب»، شرعت بالقيام بشيء اسمه الإصغاء. بعد ذلك، انطلاقاً من عام 1945، باشرت بترجمة كتاب «تفسير الأحلام» إلى العربية، والذي كرست له خمسة أعوام طوال. في تلك المرحلة ولدَ ما يطلق عليه النقلة التحليلية. أي في الوقت الذي شرع به «لاكان» أعطاء محاضرات، في بيته، ٥ شارع ليلل.
٭ آلان دانيال: لقد كنتَ شاهداً على واقع أن اولئك الذين عملوا مع «لاكان»، سواء كانوا من المحللين أو من المشرفين على التحليل، قد عاشوا معه تجربة مدهشة: لم يكن «لاكان» يقدّم لهم شيئاً «معروفاً من قبل»، ولكن بالأحرى بُعداً لما هو غير متوقع، شيء لم يُسمع به من قبل…
مصطفى صفوان: نعم. وسأعطيك مثالاً على ذلك يحضر في ذهني الآن. في يوم ما قامت بمراجعتي سيدة لكي تعالج شعورها بعقدة الدونية، وعندما طلبت منها الاستلقاء على الأريكة كان رد فعلها هو النفور - لأن ذلك الوضع كان يشعرها بتلك الدونية، كما قالت. كنت على وشك أن أقول لها بأن ذلك احتجاجاً أنثوياً، لكني سرعان ما فكرت بأن تأويلاً كهذا شيء عبثي ومن ثم ذهبت لرؤية «لاكان» لكي يخرجني من ورطتي. وإذا به يقول لي مباشرة: «ولم لمْ تقل لها بأنها كانت قد جاءت بالدقة للحديث عن ذلك الوضع.؟». لقد أدهشني ذلك تماما: تساءلت مع نفسي لمَ لمْ أفعل ذلك؟ ولقد عثرت على الإجابة فيما بعد: لقد كنت منغمراً للغاية في موقعي -موقع التفوق-، ولم أستطع قول ذلك له أيضاً. هذا واحد من الأمثلة التي يمكن أن تُدهش المرء، تمسه وتجعل منه شخصاً آخر مختلفاً عن ذلك الذي كان عليه قبل أن يتحدث مع «لاكان».
٭ آلان ديديه: ألا تعتقد بأن «لاكان» إذا كان يعرفُ كيف يُدهش الآخرين، فذلك لأنه كان مؤهلاً عبر ممارسته لمهنته للاندهاش هو نفسه؟ ألم يكن يجعل الشخص الذي يندهش يفهم التالي: بأن الذات اللاواعية لا تنتج أبداً عن علاقة التفوق والدونية، ولكن عن الفارق المحض وحسب؟ وكأن هناك، على هذا الصعيد، مساواة مطلقة ما بين المُحللْ والمحللِ، طالما أنه ليس ثمة معرفة قائمة قبل لقائهما؟
مصطفى صفوان: لم تكن لدى «لاكان» عقيدة، ولا مذهب يجعله يعرف المرء بدءاً وكأنه مادة شفافة تقف أمامه. كذلك كان بإمكانه الاندهاش. فالتمييز ما بين الآخر الذي يمكن أن يكون شفافاً والآخر باعتباره قادراً على الكذب، التظاهر، قول كلام صادق أو عكسه، كان يشكل بُعداً أساسياً في نظريته: كان «لاكان» يضع جهده في خدمة ذلك الآخر الذي يفلت من المعرفة، والذي هو ليس الفرد العادي الذي يشبهنا، ولكن ذلك الذي لا يمكن القبض عليه منذ البداية. هذا ما هو مؤكد.
٭ آلان ديديه: هل تعتقد بأن وضع «لاكان» لتلك المعرفة النظرية التي يتمتع بها المُحللْ بين هلالين قد ساهمت بتغذية عداوة بعض المُحللين ضده؟
مصطفى صفوان: لا أعرف ما الذي كان يدور في رأس خصومه، لكن، وفقاً لنمط الممارسة التي وصفتها قبل قليل، كان قد قلبَ ادعاء المعرفة المُسبق الذي يتم عبره علاج هذا الرجل أو تلك المرأة اللذان يجدهما المُحللْ أمامه. لقد قام «لاكان» بذلك الانقلاب وإن كان، في تلك اللحظة، ما زال بعيداً عما سيُنظر له في النهاية، والذي بينَ فيه بأن ما يُحدّد التحليل النفسي ليس المعرفة، بل الرغبة.
إن نقد «لاكان» لتحديد التحليل باعتباره معرفةً كان حاضراً في مؤتمر روما، حيث رأيناه يتهكم من محلل ساذج -أعرف على من كان يُشير، لكن لا جدوى من ذكر اسمه-، فذلك المحلل كان يظن بأنه يكفي أن يقول لمريضه ما الذي حدث له حتى ينتهي مرضه. وكأن المعرفة كانت على وشك حمل الخلاص له. ألا تظهر لنا التجربة بأنك عندما توصل معرفتك لأحدهم، فانه سيرد عليك: «أعرف ومن ثم؟» إن الاستقبال السيء الذي تمّ فيه تلقي نظرية «لاكان» متأت بصورة خاصة من واقع أن التحليل قد تأسس من حول فكرة تجعل من معرفة المحلل امتيازاً يضعه في مصاف الأعيان،
إلى جانب الحُكام، المحامين، والأساتذة، الخ…
٭ فلورنس كرافاس: قلت للتو بأن العلاج والشفاء، بالنسبة لـ«لاكان»، لا يمران عبر المعرفة-الدعية للمحلل. عبر ماذا يمكنهما أن يمرا؟
مصطفى صفوان: هذا يحدث عبر الإصغاء: إذا كنت تتمتعين بإصغاء جيد، ستلاحظين بأن الذات التي تتعاملين معها تتمتع، هي أيضاً، بمعرفةً، فقط انها معرفة لا يتمكن المريض من البوح بها، ولا يقدر على مفصلتها حتى. إن موقع الحقيقة كامن في عدم التمكن من قولها بتلك الطريقة؛ فهي تجد نفسها دائماً على مستوى آخر، أي مستوى الشيء الذي لا يدع نفسه يُقال علانية ولكن يمكننا سماعه؟
٭ آلان ديديه: ما تقوله يذكرني بذلك القلق غير العادي الذي استولى على «مدرسة التحليل النفسي العالمية» حينذاك، عندما دعتها «الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي» للإنضمام إليها. لقد أجرت «مدرسة التحليل النفسي العالمية» نوعاً من المحاكمة، ترأسها «بيير تيركه» (Pierre Tuequet) .
تهدف لاستجواب طلاب «لاكان» لفهم الطريقة التي كان يمارس بها تدريسه. بعد ثلاثين عاماً تبدو هذه القصة، بالنسبة لجيلي، شيئاً لا يُصدق. سؤالي الأول هو: لماذا وافق الأفراد الذي كانوا مُنخرطين في التحليل مع «لاكان» على مثل الاستجوابات؟ والثاني: ما الذي كان يبحث عنه «بيير تيركه» ومن تبعه بإستجوابهم للمحللين، مثلك، معرفته؟
مصطفى صفوان: بالنسبة لهم، لم تكن القضية تتعلّق حتى بفهم أي شيء، ما كانوا يرغبون به هو معرفة كم من الوقت كانت تستغرقه كل جلسة تحليل-كان ذلك قسماً عقائدياً بينهم. فهم كانوا يتصورون التحليل النفسي وكأنه لعبة لها عدد معين من القواعد، قاعدة الامتناع، قاعدة تداعي الأفكار، القاعدة القاضية بأنه إذا ما قال المُحللْ أو المحلل شيئاً لا ينبغي عليه بعد ذلك إنكار ما قال، لأنه عكس ذلك سيتفلش كل شيء. هناك إذن مجموعة من القواعد وبالنسبة لهم، كانت الـ ٤٥ دقيقة التي تستغرقها جلسة التحليل تشكل واحداً من تلك القواعد. كانوا يريدون معرفة إذا ما كانت القواعد مُطبقة أو لا.
لقد وجدَ «لاكان» نفسه في موقف غاية في الصعوبة، ذلك لأنه كانت له طريقته الخاصة في التعامل مع خطاب اولئك الذين يقومون بالتحليل معه: فلأنه كان يضع المعرفة في الأفراد الذين يقوم بتحليلهم، ولأن تلك المعرفة، بمغزاها، كانت تُنتج زمنية خاصة بخطاب الفرد المُحللِ، لذا لم يعد ممكناً التعامل مع الزمن، الذي ينظمه مدلول التجربة، من منظور عقارب الساعة. وبالرغم من ذلك، لم يكن يرغب بأن يتم إبعاده عن «مدرسة التحليل النفسي العالمية» وبالتالي فقدان الاتصال مع أناس كانوا، من حيث المبدأ، زملاءه، ويريد التحاور معهم. لهذا فقد لجأ إلى مناهج ملتوية: لقد طلب من البعض من طلابه الكذب والقول بأن زمن جلسة التحليل كان يستغرق ٣٠ دقيقة؛ ولقد كان لهذا نتائج كاسحة. هي آثار للموقف الصعب والمستحيل الذي كان قد وُضعَ به.
٭ آلان ديديه: لماذا كان يحرص إلى هذا الحدّ على إبقاء علاقة ما مع المدرسة العالمية للتحليل؟
مصطفى صفوان: لقد كانت تلك المدرسة وبالرغم من كل شيء الوسط الذي كان يلتقي من خلاله بزملائه.
فعندما يكون المرء مُحللاً فانه يرغب أن يسمعه محللون. وكان تعليمه، من وجهة نظره، يتوجه إلى أولئك المحللين. الإبتعاد نهائياً عن تلك المدرسة كان يعني، إذن، قبوله بالصمت.
٭ آلان ديديه: هل ثمة من علاقة ما بين الهمْ المرتبط بتجربة التحليل والحاجة الشديدة عند بعض المحللّين في أن يتم قبولهم عبر انتمائهم للمؤسسة؟
مصطفى صفوان: هل تتحدث عن تلاميذ «لاكان» الذين صوتوا لصالح الانضمام إلى المدرسة العالمية
للتحليل، أي الذين صوتوا ضده في لحظة الانشقاق الثاني؟
٭ آلان ديديه: بالفعل.
مصطفى صفوان: لا ينبغي أن نكون قساة وتبسيطيين حيال الناس. فالجيل الأول، مثلما يُسمى، تلاميذ «لاكان» كان مكوناً من أفراد دعموه في نزاعه الأول مع مؤسسة التحليل الباريسية. يُضاف إليهم تلاميذ المؤسسة الجديدة -المؤسسة الفرنسية للتحليل النفسي- والذين أختاروا «لاكان» كمحلل أو مشرف عليهم.
كذلك يجب عليَ القول بأنه كان «للاكان» ثقة بلا حدود بطلابه. كان ينظر لهم باعتبارهم زملاء له،
متعاونين معه، ولكن أيضاً باعتبارهم لسان حال، حتى لا أقول أنبياء. وهذا ما كان يَفتَرضُ نوعاً من الفهم المنقوص لما كان يعرفه هو أفضل من أي شخص سواه: فتوقع كهذا كان لا بد وأن يتم الإحساس به، من قبل التلميذ، كضغط ثقيل جداً.
لقد شكل ذلك مطالبة لا يمكن تحقيقها، فعندما تحضر دروس «لاكان» لا بد لك من أخد ملاحظات. لكن، فيما بعد، عندما تعود إلى دارك لا تقوم بدراسة تلك الملاحظات، فأنت محلل نفسي، وعليك استقبال ناس تتحمل إزاءهم مسؤولية الاستمرار بالعلاج. إذ لا يمكن للأفكار التي سمعتها عند حضورك لدروس «لاكان» أن تعود ثانية إلى ذهنك، وتنير لك دربك الخاص، إلاّ إذا ما شرعت أنتَ بالتفكير بما تقوم به وحسب.
فإذا ما تجشمت عناء الكتابة، ستنتج نصاً يتضمن بعضا من أفكار «لاكان»، لكنه يظل، في غالبيته، نصك أنتَ بالذات. وهذا سبب في قول «لاكان» بأن البعض يأخذ أفكاره، ويشوهها، أو أنه قد فهمها خطأً.
ولكي أعطيك مثالاً، كان هناك، ضمن تقاليد «الجمعية الفرنسية للتحيل النفسي»، نهارات حرة. أتذكر بأن «بونتالس» و«بيرا أولانيه» قد أعدا بهذه المناسبة تقريراً عن «الترانسفير» (transfer) (النقلة التي تحدث عند الفرد الذي يجري تحليله) ، مستخدمين بعض التعابير بطريقة لا تتطابق مع الطريقة التي كان يستخدمها «لاكان»، ان لم يكن تتناقض معها تماماً. حينئذ، قام «لاكان» بإيقافهما، وشهر بهما، وهذا ما زاد، كما هو واضح، من حدة التوتر.
ان يُقال بأن تلاميذ «لاكان» كانوا من الجهلة، مثلما أوحى هو بذلك عندما تحدث عن مناخ الجهل الذي بدأ فيه تعليمه، فذلك ما هو زائف: فـ «أكتوف مانوني» والأب «باينارا» وكذلك «بونتالس» و«لابلانش»، وغيرهم لم يكونوا أبداً جهلةً، فقد كانوا مثقفين للغاية. وإذا كان الكثير منهم، ومن غيرهم مثل «سمرينوف» و«لانغ» قد صوتوا ضد «لاكان»، فذلك ليس من أجل الانضمام إلى جمعية للمحللين النفسيين تنسجم مع أذواقهم. لقد كان ذلك بحكم التوتر الذي تميزت فيه علاقتهم بـ «لاكان».
بيد أن هذا لا يعني أني أعطيهم حقاً في ذلك. أتذكر أنه في لحظة الانشقاق الثاني كان البعض منهم، وبشكل خاص، مثلما
|