Yahoo!

كتبها حسين عجة ، في 7 يوليو 2009 الساعة: 13:59 م

 

مُذاكرة / رولان بارت
ترجمة : حسين عجة

 

 

إلى إريك ماري Eric Mary

لم يكن عندي أبداًً دفتر يوميات، أو بالأحرى لم أعرف يوماً إذا ما كان عليَّ امتلاك وحداً منها. أحياناً، أبدء، ثم فجأة أتوقف، بعد ذلك بفترة قصيرة، أبدأ ثانية. أنها رغبة خفيفة، متقطعة، بلا أهمية ومن دون تماسك نظري. أعتقد أنه بمقدوري معالجة "مرض" اليوميات هذا : شك لا يُحل يتعلق بقيمة ما نكتبه في ذلك الدفتر.
شك معقد : فهو شك-تأخر .(doute-retard). في اللحظة الأولى، حين أكتب ملاحظة "يومية"، أشعر بلذة معينة : هذا شيء بسيط، سهل. لا داعي هناك للتألم من العثور على ما ينبغي قوله : المادة هنا، حاضرة في الحال؛ وكأنها منجم تحت سماء مفتوحة؛ يكفي أن أنحني والتقطها؛ لا حاجة بي لتحويلها : هذه مادة ولها ثمنها، الخ… في اللحظة الثانية، القريبة من الأولى (على سبيل المثال، إذا ما قرأت ما كتبته بالأمس)، سيكون الانطباع سيئاً : هذا لا يقف على قدميه، وكأنه غذاء فقير وقد أنقلب على نفسه، مُتعفن، وأصبح بعيداً عن إثارة الشهية بين ليلة وضحاها؛ ألمح حينئذ بإحباط حيلة "الإخلاص"، التفاهة الفنية لما هو "عفوي"؛ أسوء من ذلك حتى : أتقززُ وأصدمُ حين ألاحظ بأني كنت قد اتخذت وضعية "متكلفة" (pose) لم أكن أرغب فيها أبداً : في موقف اليوميات، ولأنها بالدقة لم "تُشتغل" (لم تتحول بفعل الشغل) تكون الأنا في وضعية المتكلف (poseur) : أمر يتعلق بالأثر، وليس بالنية، كل صعوبة الأدب تكمن في هذه النقطة. أشعرُ بسرعة كبيرة، وأنا أتقدم في إعادة قراءتي، بالضجر من تلك الجمل الخالية من الأفعال ("ليلة مؤرقة، سلفاً الانضواء الثالث، الخ") أو تلك الجمل التي يتم تقليص فعلها بإهمال ("متقاطعاً مع فتاتين في ساحة س ت")-وحتى إذا ما حاولت إعطاء تلك الجمل شكلاً مناسباً ("التقيت بفتاتين، أو عشت ليلة من الأرق")، يظل قالب كل يوميات، أي إعادة كتابة الفعل، يرن في أذني ويزعجني وكأنه لازمة. في اللحظة الثالثة، إذا ما عدت قراءة صفحات يومياتي بعد عدة أشهر، عدة سنوات، من كتابتها، ومن دون أن يزال شكي، أشعر بنوع من اللذة لتذكري، بفضلها، الحوادث التي ترويها، و، أكثر من ذلك، الانحناءات (انحناءات الضوء، الطقس، المزاج) التي تجعلني أعيشه ثانية. وبشكل عام، ليس ثمة عند هذه النقطة من فائدة أدبية (باستثناء فائدة الصياغات، أي الجمل)، لكن نوع من الالتصاق النرجسي (النرجسي بشكل خفيف، لا ينبغي المبالغة) يشدني بمغامراتي (التي تظل ذكرياتها غامضة، مادام أن التذكر هو في ذات الوقت ملاحظة المرء لشيء وفقدانه مرة وإلى الأبد). لكن، مرة أخرى، هل يبرر حسن الالتفات النهائي هذا، الذي تمّ بلوغه عبر مرحلة من الرفض، التمسك (بصورة نظامية) باليوميات؟ هل يستحق هذا العناء؟
لا أضعُ هنا تخطيطاً لتحليل النوع المسمى "يوميات" (هناك كتب عن هذا)، ولكن مُذاكرة شخصية وحسب، مكرسة لاتخاذ قراراً عملياً : هل يجب عليَّ الاحتفاظ بيومياتي بهدف نشرها؟ هل يمكنني جعل اليوميات "عملاً"؟ لا احتفظ من اليوميات إذاً سوى بوظائفها التي يمكن أن تمس عقلي. على سبيل المثال، كان كافكا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 6 يوليو 2009 الساعة: 08:28 ص

 

نوافذ مضاءة

عدد مرات المشاهدة :1166 - January 02, 2008

حسين عجة

نوافذ مضاءة
 

 

  
  
أنريك فيلا ماتاس
ترجمة: حسين عجة
  
 
أفكر في الكاتب الأرجنتيني الكبير "روبرتو أرلت"(1) وفي صباح 1929 حيث وجده رفقاء عمله في هيئة تحرير الجريدة خالعاً حذاءه، وقدماه موضوعتان من فوق المكتب، الجوارب مثقبة، وهو يبكي. كان أمامه قدح فيه زهرة ذابلة. أثناء رده على أسئلة ومخاوف أصدقائه، قال لهم:
"إذاً أنتم لا ترون الوردة؟ إلا تلاحظون بأنها تموت؟
الساعة هي الرابعة صباحاً في برشلونة و، الآن، أنا منْ أمامه قدحاً وفيه وردة ذابلة. لا يبعد القدح عني قلقي، غير أنه يعينني في التفكير "بروبرتو أرلت". في الواقع، أنا أفكر فيه منذ البارحة،حيث سألني صديق ضالع في الأدب إذا ما كنت على غرار ربورتو أرلت في مناسبات أخرى، قد راقبت نوافذ مضاءة في الساعة الرابعة صباحاً. توقف قليلاً ثم أضاف : "هناك قصص كثيرة فيها".
وهذا ما حدث. ذلك ما أعرفه تماماً في هذه اللحظة، في الساعة الرابعة صباحاً، فأنا شخص مؤرق تماماً في محيط قلقي الشخصي. ذلك لأني، وأبعد من الزهرة الذابلة، رأيت النافذة السحرية التي كان قد فتحها للتو أحد الجيران، وفجأة تساءلت مع نفسي، أية قصة كان يمكن أن تكون لها، أي شيء كان يمكنه قد حدث في الداخل. النوافذ المضاءة في ساعات الليل المتأخرة كانت تقبض على روبرتو ألرت، رجل الحدوسات الكبرى، الذي يظل يقظاً طيلة تلك الليالي التي لا تنتهي : "لا شيء أكثر إثارة من مستطيل الضوء الأصفر في المكعب الأسود لليل. منْ هو في الداخل؟ لاعبون قمار، لصوص، مرشحين للانتحار، مرضى؟ هل يلد أحدهم أو يموت؟ أيتها النوافذ المضاءة في ساعات الليل المتأخرة، لو تمكنا من كتابة كلما يتخفى وراء لوحاتك الزجاجية المتصدعة أو المكسورة لتمكنا من كتابة الشعر الأكثر إقلاقاً للإنسانية".
وأنا أنظر من محيط قلقي إلى نافذة الجار المضاءة تلك، استَيقظتْ مخيلتي ورحت أفكر، أولاً، إذا ما ظل أحدهم، حتى تلك الساعات، يبحر على الشبكة اللامتناهية لشاشة حاسوبه.
أجهل لماذا قمت بهذا الاختيار. لكني دائماً حين أشرع من محيط قلقي بنص يمشي في نومه كهذا، غالباً ما أحاول أتمام حركة ما تخولني تحديد موقعي من العالم. لكن من الصحيح أيضاً بأنه في اللحظة التي أكتب فيها الجملة الأولى، يضع قلقي أمامي شيئاً يشبه بنكهته حسرة أمام زهرة ذابلة، ذلك لأني سرعان ما أدرك بأن عالمي قد أحاط نفسه مباشرة بحدود.
يسيل قلقي من رغبتي في الوجود، وغداً، سأكون شخصاً آخر لا يرتبط

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 6 يوليو 2009 الساعة: 08:25 ص

 

زهرة في جنوب برشلونا

عدد مرات المشاهدة :1672 - January 13, 2008

حسين عجة

زهرة في جنوب برشلونا
 

 

  
  
أنريك فيلا ماتاس
ترجمة: حسين عجة
   
  
"حين نسقي الزهرة، نسقي معها أشواكها"  
  
مرة أخرى، أشعر بفرح غريب عند دخولي إلى حانوت الباكستاني بعد انقطاعي عن القيام بذلك لعدة أيام. حتى وإن كان من الصعب تصديق ذلك، يمكن القول بأن هذا العرين الصغير، القائم في الطابق الأرضي للبناية التي أسكن فيها، يشكل امتداداً متفرداً لها. رقصت اليوم رقصة تركية بعد تناولنا المرطبات وقد ضحكوا. أنا أحسد هؤلاء الباكستانيين على سعادتهم بدكان المبيعات المتواضع هذا وأفضله كثيراً على المخازن الأسبانية في المحلة والتي تبدو وكأنها تحمل ثقل الانكماش القومي، ومن دون الحديث عن الحرب العالمية التي نعيشها اليوم.
بعد ذلك، أصعد إلى مسكني. أجدني متجهماً بعد تجوالي الليلي أمس في محلات برشلونة. أثناء تسكع الأمس الطويل، عرض علينا باكستانيون زهوراً يبيعونها. في الأيام القليلة الماضية، كل مرة أرى فيها هؤلاء الباكستانيين مع زهورهم، أتساءل إذا ما كانت علاقتهم بتلك الزهور لا تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد بيع الزهور، وإذا لم تكن علاقتهم بها، على غرار الأفغانيين، علاقة متفردة جداً، مرتبطة مباشرة بالحب. في الحقيقة، أن هؤلاء الباكستانيين القلقين الذين يبيعون الزهور يبدون لي أقرب من جيراني عنهم من أولئك الباكستانيين المبتسمين أصحاب الحانوت المتواضع في أسفل البناية.
أتساءل عن تلك العلاقة الخاصة بين الباعة الباكستانيين وزهورهم منذ أن التقيت في البرازيل، هذا الصيف، مع مراسل الحرب الكبير "لي أندرسون"، مؤلف كتاب "سقوط بغداد" وأفضل منْ كتب السيرة الذاتية لتشي غيفارا، الكتاب الأكثر توثيقاً عنه(1). أثناء تناولنا للغداء في مطعم "بوسادا دي الأورو" في مدينة "باراتي"، سرد عليّ شيئاً لا يمكن نسيانه، قال لي بأنه وبالرغم من كونه قبل كل شيء مراسلاً حربياً، كان يجد الوقت، في حمية سقوط القنابل، للاهتمام مثلاً بحب المقاتلين الأفغان بالزهور البلاستيكية. كتب "جون لي اندرسون" منذ أيام تقريراً عن
عشق المقاتلين ووضعَ في مقدمته عبارة "لبيرس كاتوين" : "في شوارع هارات يمكنكم رؤية رجال يضعون فوق رؤوسهم لفة من القماش الضخمة متجولين اليد في اليد الأخرى، وردة في الفم، والبندقية مخفية تحت تنورة من القماش المُزهر".
أن الأفغانيين، كما يقول لنا "اندرسن"، يعشقون الزهور، مع أنهم لا ماء لديهم لكي يسقوها.
إذا كان واحد من أولئك المجاهدين –منْ المقاتلين المسلمين الذين حاربوا ضد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 6 يوليو 2009 الساعة: 04:25 ص

 

ديستويفسكي العجيب

عدد مرات المشاهدة :1562 - February 27, 2008

حسين عجة

ديستويفسكي العجيب

 

   
  
انريك فيلا ماتاس
ترجمة: حسين عجة
   
   
قضية الخير والشر تقيم جسراً ما بين ديستويفسكي وج.م. كويتزه
   
عندما قرأتُ في مراهقتي اليافعة "الجريمة والعقاب"، وجدتها عدمية تماماً؛ ثم ابتعدت لأعوام طويلة عن ديستويفسكي. لكن في سنوات التسعينات قرأت بضعة من كتبه، وكانت روايته التنبؤية "الأبالسة" هي التي خلفت فيَّ دون منازع التأثير الأكبر. وفي الوقت الحاضر، اقتربت منه أكثر بعد قراءتي لرواية "سيد بيترسبورغ" لـ ج.م. كويتزه التي يروي فيها قصة كاتب روسي في المنفى، وكأنه تؤم لديستويفسكي، العائد إلى مدينة موسكو والذي يجد نفسه منغمراً في العنف الثوري لعام 1869. ترتبط رواية كويتزه مباشرة بعلاقة قرابة مع رواية "الأبالسة"، وهي تتناول الموضوع الأكثر عصرية للإرهاب. من ناحية أخرى، عندما كتب ديستويفكسي روايته تلك، لم يكن موضوع الإرهاب قد أصبح مشكلة حارقة بعد. فالرواية تعيد عن طريق الحكاية المُتخيلة القصة الواقعية لاغتيال إيفانوف، وهو شاب تم قتله في موسكو عام 1869 على يد رفاقه في خلية ثورية كان يوجهها نتشايف بعد عودته من جنيف. لقد تناول الكاتب، قبل أي شخص آخر، موضوعة العنف ومشاكل أخلاقية جديدة طرحها اغتيال الآخر باسم أيديولوجيا ثورية. كان الأمر بالنسبة لديستويفسكي يتعلق بأفكار غريبة واردة من أوروبا الباردة –لا أعتقد إذا كان بمقدورنا تسميتها هكذا- ومن مسرحها الذي تم فتحه منذ وقت قريب.
بعد قراءتي لديستويفسكي، لأعوام بكاملها، ومن ثم ابتعادي عنه لكي أشرع ثانية في قراءته، والابتعاد عنه من جديد، أجدني أحياناً في حالة من الالتباس يجعلني أتساءل مع نفسي إذا ما كنت أتفق مع ناباكوف ("في كل روايات ديستويفسكي، هناك سيل من الكلمات مع تكرارات لا تنتهي، هذا إذا ما أغضضنا النظ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 24 يونيو 2009 الساعة: 03:38 ص

 

عاصمة الألم

عدد مرات المشاهدة :418 - September 26, 2008

حسين عجة

عاصمة الألم
 

 

 

 

بول إيلوار

ترجمة : حسين عجة 

 

تكرارات

ماكس أرنست

   في زاوية يحوم السفاح الحاذق من حول
عذرية فستان صغير
        في زاوية تترك السماء المسلمةِ
لأشواك العهر كريات بيضاء.

في زاوية أكثر وضوحاً من كل العيون
  ننتظر أسماك القلق.
في زاوية سيارة خضرة الصيف
واقفة بمجدها وإلى الأبد.

إلى وميض الفتوة
توقد المصابيح في وقت متأخر تماماً
تكشف الأولى منها عن أثدائها التي تقتل حشرات
                                                  حمراء.

تتمة  


لأجل انبثاق نهار السعادات في الهواء
لأجل العيش بيسر من ذائقات الألوان
  لأجل التمتع بغراميات للضحك
لأجل فتح العيون في اللحظة الأخيرة

   لها كل الكياسات.

هوس

      بعد أعوام من الحكمة
كان العالم خلالها شفافاً كالإبرة
هل أن الهديل شيء آخر؟
بعد أن تنافس قدم نعمه وبذر الكنز
       أكثر من شفة حمراء بنقطة حمراء
وأكثر من ساق بيضاء بقدم بيضاء
    أين نظن بأننا موجودين إذاً؟

الإبداع

      اليمنى تترك الرمل يسيل.
كل التحولات ممكنة.
بعيداً، تشحذ السماء من فوق الصخور تعجلها في الانتهاء
          وصف المنظر الطبيعي لا قيمة له،
          بالكاد لطف ديمومة مواسم الحصاد.

            واضح بعيني كلتاهما،
            كالماء والنار.
                  *
         ما هو دور الجذر
         قَطعَ اليأس كل صلاته
            ورفعَ يده فوق رأسه
              سبعة، أربعة، اثنان، واحد
              مائة امرأة في الشارع
                لن أراهن بعد.
                       *
فن الحب، فن متحرر، فن الموت الحسن،
فن التفكير، الفن اللامنطقي، فن التدخين، فن التمتع،
فن القرون الوسطى، فن الديكور، فن التفكر، فن التفكر الحسن، الفن الشعري،
الفن الميكانيكي، الفن الشهواني، فن المرء في أن يكون جد، فن الرقص، فن النظر،
فن البهجة، فن الملامسة، الفن الياباني، فن اللعب، فن الأكل، فن التعذيب.
                           *
لكني لم أعثر أبداً على ما أكتبه في ما أحبه.

قريب تماماً منا
        ركض وركض خلاص
         والعثور على كل شيء والتقاط كل شيء
                   خلاص وثروة
         الركض بأسرع ما يكون حد انقطاع الخيط
   في الضجة التي تصنع العصفور الكبير
   ثمة دائماً راية مسبوقة.

باب مفتوح

    الحياة غاية في اللطف
تعالوا نحوي، إذا ذهبت أنا إليكم فهذه لعبة،
ملائكة الباقة التي تغير فيها الزهور ألوانها.

النهر

   النهر الذي عندي تحت لساني،
   الماء الذي لا نتخيله، زورقي الصغير،
           و، الستائر هابطة، لنتحدث.

الظل في التأوهات
      نوم خفيف، مروحة صغيرة،
      صغيرة، فاترة، قلب في الهواء.
      حب المشعوذ،
سماء مثقلة بالأيدي، برق الأوردة،

لنهرول في الشارع الخالي من الألوان
     المشغول بانسحاب بلاطاته،
     يطلق العصفور الأخير
    من هالة أمسه –
في كل بئر، أفعى واحدة.

الأجدر الحلم بفتح أبواب البحر.

لا أحد

ما يمكن أن يُقال : عَبرتُ الشارع لكي لا أكون في الشمس. أنها شديدة الحر، حتى في الظل.
هناك الشارع، أربعة طوابق ونافذتي في الشمس. قبعته على رأسه، قبعة في يده، جاء لكي
يصافحني. هل ترغب بالكف عن الصراخ هكذا، فهذا من الجنون!
                       *
عميان غير مرئيين يجهزون بياضات النوم. الليل، القمر وقلوبهم تتلاحق.
                      *
بدوره صرخة : "البصمة، البصمة، ما عدت أرى البصمة. في النهاية، لا يمكنني الاعتماد
عليكم".

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 9 يونيو 2009 الساعة: 07:14 ص

الآن باديو.. فليسوف في العصر- حوار مع مجلة "ماغازين ليترير" (المجلة الأدبية) - ترجمة (…)

الآن باديو.. فليسوف في العصر- حوار مع مجلة "ماغازين ليترير" (المجلة الأدبية) - ترجمة حسين عجة

السبت 17 أيار (مايو) 2008، بقلم كتاب آخرون  

طباعة المقال
/*
Open Centered Popup Window Script-
� DHTMLShock (www.dhtmlshock.com)
To add more shock to your site, visit www.DHTMLShock.com
*/
function centrarVentana(theURL,winName,features, myWidth, myHeight, isCenter) { //v3.0
if(window.screen)if(isCenter)if(isCenter==”true”){
var myLeft = (screen.width-myWidth)/2;
var myTop = (screen.height-myHeight)/2;
features+=(features!=”)?’,':”;
features+=’,left=’+myLeft+’,top=’+myTop;
}
window.open(theURL,winName,features+((features!=”)?’,':”)+’width=’+myWidth+’,height=’+myHeight);
}
إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

إذا كانت مهمة الفلسفة هي "تعزيز الشجاعة عند كل فرد"، يمكننا القول، إذاًً، بأن فكر الفيلسوف الفرنسي الآن باديو (Alain Badiou) يشكل إحدى العلامات الكبرى التي لم تكفّ عن إثارة الاهتمام واستقطاب المزيد من المداخلات والنقاش من حول تحاليله ومواقفه على صعيدي الفكر والعالم معاً . فمن تعاظم الحماس لعمله في الولايات المتحدة الأمريكية وتزاحم الجمهور على محاضراته في باريس، مروراً بالفلاسفة الشباب الذين يعثرون في عمله على قوة تجعلهم يرغبون في مواصلة ذلك المراس الفكري الذي ارتبط باسم أفلاطون، يفرض فكر هذا الفيلسوف، الذي تم الكشف عن خصوصيته عبر "الكينونة والواقعة" (L’تtre et l’Evénement)، نفسه يوماً بعد آخر باعتباره عملاً فلسفياًً عظيماً في العصر الذي نعيش فيه ً. فعبر أسلوبه المتسم بجديته، صرامته، وتشخيصاته القاطعة، إلى جانب الوضوح الذي يضعه في خدمة خلق مسلّمات جديدة، بمقدورها جعل الإغواء الفلسفي قوةً للفكر، قوة غير شخصية تدعو كل فرد لعطاء ما يقدر عليه. في كتابه العصر (Le Siècle) يحاول باديو رسم خصوصيات القرن العشرين، مستخدماً طرقا يستعيرها من الشعر، السياسة، والمسرح لكي يخلق منها، كما يقول بودلير "منارات" – لعصر قادم –

>ماغازين ليترير (المجلة الأدبية) : لقد أصدرتَ عام 1988، كتاباً ضخماً وصارماً هو "الكينونة والواقعة"، منهج فلسفي حقيقي ما عاد المرء يعثر على مثيل له. ما هي العلاقة بين هذا العمل الذي ينتمي إلى اللحظات الكبرى للفلسفة الجذرية وكتابك الجديد عن القرن العشرين؟

>الآن باديو : هناك على الأقل علاقتان. الأولى تكمن في تمسكي بالقول، من داخل ذلك المشروع المنهجي الذي هو مشروعي بالفعل، بأن الفحص الذي تقوم به فلسفة ما للعصر الذي توجد فيه يشكل جزءً من الفلسفة ذاتها. فالفلسفة تأتي فيما بعد، وأنا هنا على اتفاق مع هيغل، بعد أشياء أخرى غيرها، كالحبّ، الفن، العلم، السياسة، والتي هي إبداعات من المستوى الأول، فيما تَقدَمُ الفلسفة في لحظة ثانية، بيد أن هذا لا يعني أنها ثانوية. فهي تُجَمْعُ عبر هذا التأخير قولاً يتعلق بالعصر، يتلازم مع التباس يجعلها تدعي أن ذلك القول هو قول أبديّ يتعلق بالزمن، أي لا يمكن اختزاله برمته إلى مستوى العصر. أن سؤال "ما هو القرن العشرين"؟ سؤال يتولد من داخل الفلسفة ذاتها، كما كان الأمر بالنسبة لأفلاطون، الذي طرح سؤال "ما هي المدينة الإغريقية؟" أو سؤال كانط "ما هو عصر الأنوا؟ر" تلك هي العلاقة الأولى، علاقة تقليدية تتطابق مع فكرتي عن الفلسفة. بعد ذلك، هناك علاقة أخرى، سجالية. وهي تشكل بدورها بعداً طبيعياً للفلسفة، أي وظيفتها في إزالة العوائق : الجانب النزاعي المستمر الذي أشار إليه كانط سلفاً… هنا، نجد أنفسنا ضمن لحظة خاصة تماماً. من ناحية أخرى، ينطوي كتابي "العصر" (Le Siècle)، على مجموعة من المحاضرات التي ألقيتها في "المدرسة الثانوية العالمية للفلسفة" (Collège international de philosophie) عن المقاربات المتعلقة بالقرن العشرين. كانت غايتي هي الرد على سلسلة من الوجوه السائدة للعصر التي حدثت بالفعل على صعيد الواقع، أي تلك المقاربات التي تعاملت مع القرن العشرين باعتباره قرناً للمجازر، القضاء على الأجناس، حروب عالمية دموية، ومشاريع مُجهضةِ، بيد أن تلك الوجوه قد رُكبت ضمن فكرة أعتقد أنها فكرة مزيفة، لأنها تدّعي أن القرن العشرين لم يكن سوى مثاليات إجرامية، عصر مُتخيل ذهبَ باندفاعه إلى ما هو أبعد من مبدأ الواقع، وما كان بمقدوره الوصول إلى نهايته دون إنتاج أشكال مختلفة من التدمير. أنا لا أقول إن هذه الأحداث كانت غائبة عن العصر، لكن ذاتية ممثليها (la subjectivité de ses acteurs) الذين التقيت بهم، عاشرتهم، وعرفتهم، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عبر الأدب، ضمن النصوص السياسية، ومحاوراتي مع المناضلين، وحتى داخل عائلتي التي ساهم أفرادها في المقاومة والتحرير، كان دافعها الأساسي هو قبول ما يفرضه الحاضر كضرورة. أما أن تُثقل تلك الضرورة في ما بعد بالتصورات المتعلقة بالمستقبل، فهذا قانون عامّ. وذلك ما يشبه بالدقة ما يقوله المرء لنفسه، في بداية علاقته الغرامية، "سأحب إلى الأبد" وذلك لأسباب متنوعة. غير أن قولاً كهذا لا يشكل قوة اللقاء الغرامي، لكنه يعززه وحسب.

>تقول إن ما كان يميز القرن العشرين هو "حماسه للواقع". لكن ألا يمكن لهذا الحماس أن يوصل الفلاسفة إلى حد التخلي عن الفلسفة؟ ألم يراودك، أنت بالذات، إغراء كهذا. لقد كتبت عام 1969 كتابك المعنون "مفهوم النموذج" « concept du modèle ». وفي عام 1982 فقط، نشرت كتابك "نظرية الذات" « Théorie du sujet » . ثلاثة عشر عاما لم تكتب فيها كتاباً فلسفياً واحداً…

>نعم، كان ذلك أحد الإغراءات الكبرى للقرن العشرين. هنا أيضاً، يجري الحديث عن إغواء يماثل إغواء الت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 9 يونيو 2009 الساعة: 07:05 ص

العدالة حيال السلطة: حوار بين نعوم شومسكي وميشيل فوكو

العدالة حيال السلطة: حوار بين نعوم شومسكي وميشيل فوكو

الجمعة 2 أيار (مايو) 2008، بقلم حسين عجة  

طباعة المقال
/*
Open Centered Popup Window Script-
� DHTMLShock (www.dhtmlshock.com)
To add more shock to your site, visit www.DHTMLShock.com
*/
function centrarVentana(theURL,winName,features, myWidth, myHeight, isCenter) { //v3.0
if(window.screen)if(isCenter)if(isCenter==”true”){
var myLeft = (screen.width-myWidth)/2;
var myTop = (screen.height-myHeight)/2;
features+=(features!=”)?’,':”;
features+=’,left=’+myLeft+’,top=’+myTop;
}
window.open(theURL,winName,features+((features!=”)?’,':”)+’width=’+myWidth+’,height=’+myHeight);
}
إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

ترجمة حسين عجّة

لقد نتج هذا النص عن نقاش في اللغتين الفرنسية والإنكليزية ما بين ميشيل فوكو ونعوم شومسكي ومقدّم الحوار فونس ألديرز. ومن ثمّ تمّ تسجيله في المدرسة العليا للتكنولوجيا، في نوفمبر 1971 من القرن الماضي، وجرى بثّه عبر التلفزيون الهولنديّ.

ف. الديرز: لنتناول، الآن، السياسة. بودّي أن أسأل أولاً السيد فوكو لماذا يولي السياسة هذا الحد من الاهتمام الذي يجعله يفضلها، مثلما قال لي ذلك، على الفلسفة؟

ميشيل فوكو: لم أنشغل أبداً في الفلسفة. غير أن هذا ليس هو المشكلة. سؤالك هو : لماذا اهتم إلى هذا الحد بالسياسة؟ للرد عليك ببساطة، قد ينبغي القول: لمَ كان عليَّ عدم الاهتمام بها. فأي عمى، أي صمم، أية سماكة أيديولوجية كان بمقدورها حرماني من الاهتمام بهذا الموضوع الأكثر ضرورية في وجودنا، أي المجتمع الذي نعيش فيه، والعلاقات الاقتصادية التي تحركه، وكذلك النظام الذي يحدّد الأشكال المنظمة، المسموح بها والممنوعة سياسياً والتي توجه دائماً سلوكنا؟ ففي نهاية المطاف، تشكل الفاعلية السياسية للمجتمع الذي نجد أنفسنا فيه جوهر وجودنا. كما لا يمكنني الرد على سؤال لمَ كان عليَّ الاهتمام بها؛ إذ ليس بمقدوري الإجابة عليك إلا بسؤالك لمَ كان ينبغي عليَّ عدم الاهتمام بها؟ ف. الديرز: أنك مرغم على الاهتمام بها، أليس كذلك؟

فوكو : نعم، فعلى الأقل ليس هناك ما هو غريب على هذا الصعيد، وبالتالي ما يستوجب طرح السؤال والرد عليه. فعدم اهتمام المرء بالسياسية، هو ما يمكن أن يولد مشكلة حقيقية. فبدلاً من أن تطرح هذا السؤال عليَّ أنا، كان من الأجدر طرحه على شخص لا يهتم بالسياسة. عندئذ، سيكون من حقك أن تصرخ فيه "كيف لا يُثير هذا اهتمامك"؟ ف. الديرز : نعم، ربما. يا سيد شومسكي، نحن نتلهف جميعاً لمعرفة أهدافك السياسية، لاسيما فيما يتعلق بعلاقتك الشهيرة بالفوضوية النقابية أو، كما حددت ذلك أنت بنفسك، اشتراكيتك المتحررة. ما هي تلك الأهداف الأساسية؟

شومسكي : سأقاوم الرغبة في الرد على سؤالك الأول، المهم للغاية، وسأكتفي بالرد على هذا الأخير. سأعود أولاً إلى موضوع كنا قد ذكرناه من قبل، ألا وهو، إذا لم تخني ذاكرتي، أن أحد عناصر الطبيعة الإنسانية الأساسية هو الحاجة لعمل مبدع، لبحث إبداعي ولفاعلية أبداعية حرة غير مرتهنة بالنتيجة الضيقة التي تفرضها المؤسسات الاستبدادية؛ يُستنتج من كل هذا، بطبيعة الحال، بأنه ينبغي على المجتمع اللائق أن يفتح أمام هذه الممكنات، التي تشكل الخاصية الإنسانية الجذرية، أقصى حدود التحقق. وذلك يعني التغلب على العناصر الكابحة، القمعية، المدمرة والقهرية القائمة في كل مجتمع، في مجتمعاتنا مثلاً، باعتبار تلك العناصر بقايا تاريخية.

إن كل شكل من أشكال القهر، الكبح، والمراقبة الاستبدادية لأي من ميادين الوجود، كالملكية الذاتية لرأس المال مثلاً، وكذلك أي تضييق مفروض على مشروع إنساني يمكن تبريرها إذا كان ما يلزم القيام بذلك هو لصالح توفير حاجة الغذاء، ضرورة البقاء، أو الدفاع ضد أي شيء مرعب من هذا النوع. لا يمكن تبرير ذلك الشكل داخلياً. بل ينبغي القضاء عليه بالأحرى.

أعتقد بأنه يجب علينا، على الأقل في المجتمعات الغربية ذات التكنولوجيا المتقدمة، تفادي مثل تلك الحاجات المجحفة، غير المجدية، ومن ثم مقاسمة هذا الامتياز، ضمن نسبة معينة، مع الجماهير؛ فالرقابة الاستبدادية والمركزية للمؤسسات الاقتصادية –أعني بذلك في آن معاً الرأسمال الخاص وشمولية الدولة أو الأشكال المختلفة المختلطة لرأسمالية الدولة القائمة هنا وهناك- قد غدت بقايا تاريخية مدمرة.

ينبغي القضاء على كل تلك البقايا لصالح المقاسمة المباشرة تحت شكل مجالس عمالية، أو غيرها من التجمعات التي يشكلها الأفراد بأنفسهم ضمن إطار وجودهم الاجتماعي وعملهم المُنتجِ.

أن نظاما متآلفا، لا مركزيا لجمعيات حرة، تندمج فيها المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، قد يؤسس لما أسميه بالفوضوية النقابية؛ يبدو لي أن هذا هو الشكل الاجتماعي المنظم بالنسبة لمجتمع متقدم تكنولوجياً، لا تتحول فيه الكائنات البشرية إلى مجرد أدوات في عجلات الميكانيك. ليست هناك أية ضرورة اجتماعية تستوجب معاملة الكائنات الإنسانية باعتبارهم حلقات في سلسلة الإنتاج؛ لذا لا بد لنا من التغلب على هذا الموقف وذلك بخلق مجتمع للحرية وللتآلف الحر، حيث سيكون بمقدور الدافع الإبداعي المغروز في الطبيعة الإنسانية تحقيق ذاته بالطريقة التي يقررها.

مرة أخرى، وكما يقول ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 31 مايو 2009 الساعة: 14:23 م

عشق الموسيقى (الميسكوفيليا)… حكايات عن الموسيقى والمخ

عشق الموسيقى (الميسكوفيليا)… حكايات عن الموسيقى والمخ

أوليفر ساكس

الخميس 19 آذار (مارس) 2009، بقلم   

طباعة المقال
/*
Open Centered Popup Window Script-
� DHTMLShock (www.dhtmlshock.com)
To add more shock to your site, visit www.DHTMLShock.com
*/
function centrarVentana(theURL,winName,features, myWidth, myHeight, isCenter) { //v3.0
if(window.screen)if(isCenter)if(isCenter==”true”){
var myLeft = (screen.width-myWidth)/2;
var myTop = (screen.height-myHeight)/2;
features+=(features!=”)?’,':”;
features+=’,left=’+myLeft+’,top=’+myTop;
}
window.open(theURL,winName,features+((features!=”)?’,':”)+’width=’+myWidth+’,height=’+myHeight);
}
إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

مدخل

أيّة غرابة تواجه المرء عندما يرى أجناسا بشرية بكاملها –ملايين الأفراد- وهم يلعبون، أو يصغون لأنماط صوتية خالية من أيّ معنى؛ وكم سيكون الأمر غريباً حينما نلاحظ أنّهم يكرّسون جلّ أوقاتهم لما يطلقون عليه اسم "موسيقى". ذلك ما يشكّل، على الأقلّ، واحداً من الأشياء البشرية التي حيّرت عقول راقية لبعض المخلوقات الغريبة، الأسياد « Lords »، والتي نلتقي بها في رواية "أرثر. س كلارك" "نهاية الطفولة".

لقد قاد الفضول تلك الكائنات لكي تحطّ على سطح الأرض، وذلك من أجل الاستماع إلى حفلة موسيقية؛ كانوا يصغون بأدب، وفي الختام هنّؤوا قائد الفرقة على "عبقريته العظيمة" –مع أنهم لم يفهموا أيّ شيء من العمل برمّته. ذلك لأنهم كانوا عاجزين على التفكير بما يحدث للمخلوقات الإنسانية، مادام ذلك الشيء لم يحدث لهم أنفسهم.

يمكننا تخيّل أولئك الأسياد وهم يضاعفون من تأمّلاتهم، عند عودتهم إلى سفنهم الفضائية. وربما سيسلّمون بأنّ هذا الشيء المُسمّى "موسيقى" يؤثّر، بطريقة ما، على الناس، وبأنّه أساسيّ بالنسبة للحياة البشرية. ومع ذلك، لا تتمتّع الموسيقى بأيّة مفاهيم، ولا تقدّم مقولات، كما أنّها خالية من الصّور، الرّموز، ومادّة اللغة. ولا قوّة تمثيلية لها. كما أنّها تفتقد للعلاقة الضرورية بالعالم.

قد يكون هناك أفراد، على غرار أولئك الأسياد، لا يتمتّعون بأجهزة عصبية تمكّنهم من تقدير الأصوات والأغاني. غير أنّ للموسيقى تأثيرا ضمنيّا عظيما علينا جميعاً، سواء كنّا نبحث عنها، أو نظنّ أنّنا نحن أنفسنا "موسيقيون" بشكل خاصّ. فالميل نحو الموسيقى –عشق الموسيقى- يظهر منذ الطفولة، كما أنّه بارز وأساسيّ في جميع الثقافات، وربما يمكننا القول بأنه ظهر مع البدايات الأولية للجنس البشري. وقد تستطيع الثقافات التي نعيش ضمنها احتواءها وتطويرها، وكذلك تفعل ظروف الحياة والمواهب الضعيفة التي نتمتع بها نحن كأفراد –بيد أنها تبقى متجذّرةً عميقاً في الطبيعة الإنسانة، وربما يستطيع المرء التفكير بأنها فطرية innate، كما هو الأمر عند أولئك الذين يشعرون بالأشياء الحيّة، أو كما ينظر "أي.أو. ولسن" "للبيوفيليا" biophilia. (وقد تكون الميسكوفيليا شكلاً من أشكال البيوفيليا، ما دامت الموسيقى نفسها تُحسّ وكأنها مخلوق حيّ.

إذا كان بمقدورنا فهم الاستخدام المتبنى لأغنية الطير (في المغازلة، في الهجوم العدوانيّ، أو عند مغادرته للمنطقة التي يعيش فيها، الخ..)، باعتباره استخداماً مثبتاً في بنيته، ومرتبطاً كذلك إلى حد بعيد بنظامه العصبي للطيران، فإنه يصعب علينا فهم أصل الموسيقى بمثل هذه السهولة. فدارون نفسه كان متحيّراً حيال ذلك، حينما كتب في كتابه "أصل الإنسان" ما يلي :"إذا كان التمتّع بالموسيقى والقدرة على إنتاج الأنغام الموسيقية لا يشكّلان ملكة استخدام لدى الإنسان… لذا ينبغي تصنيفهما ضمن الأشياء الأكثر غرابة عنده". وفي زمننا المعاصر، يشبّه "أستيفن بنكر" Steven Pinker الموسيقى "بكعكة الجبن المسموعة"، ومن ثمّ يتساءل : " ما هو النفع الذي يجنيه المرء في فقدانه لوقته وجهده بغية توليد ضوضاء فارغة؟ فبالقدر الذي يتعلّق فيه الأمر بالسبب والنتيجة البيولوجية، ليس هناك أي فائدة في الموسيقى… إذ يمكنها الاختفاء عن جنسنا البشري، ومع هذا سيظلّ أسلوب حياتنا على ح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 31 مايو 2009 الساعة: 14:21 م

المأخوذون بالموسيقى

المأخوذون بالموسيقى

السبت 9 أيار (مايو) 2009، بقلم أوليفر ساكس Oliver Sacks   

ترجمة : حسين عجة

طباعة المقال
/*
Open Centered Popup Window Script-
� DHTMLShock (www.dhtmlshock.com)
To add more shock to your site, visit www.DHTMLShock.com
*/
function centrarVentana(theURL,winName,features, myWidth, myHeight, isCenter) { //v3.0
if(window.screen)if(isCenter)if(isCenter==”true”){
var myLeft = (screen.width-myWidth)/2;
var myTop = (screen.height-myHeight)/2;
features+=(features!=”)?’,':”;
features+=’,left=’+myLeft+’,top=’+myTop;
}
window.open(theURL,winName,features+((features!=”)?’,':”)+’width=’+myWidth+’,height=’+myHeight);
}
إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

الجزء الأول من كتاب عشق الموسيقى (ميسكوفيليا) والمخّ

هجوم من الأزرق:

عشق موسيقي فجائي (ميسكوفيليا مباغت)

كان "توني سيكوريا" Tony Cicoria في الثانية والأربعين من عمره شخصاً يتمتّع بلياقة وبنية بدنية ممتازة، كما كان ينتمي لجماعة من لاعبي كرة القدم، ثم أصبح جرّاحاً مجبراً لكسور الأعضاء السفلية ويسكن في مدينة صغيرة تابعة للقسم الشمالي من مقاطعة نيويورك. بعد ظهر أحد الأيام، كان مع عائلته في مقصورة قرب ما يشبه البحيرة، وكان الجوّ ممتعاً وتهبّ عليه النسمات، لكنه لاحظ قدوم عاصفة صغيرة من الغيوم، وكأنّها مطر.

خرجَ، حينئذ، من تلك المقصورة وذهبَ لكي يشتري هاتفاً، حتى يجري مكالمة سريعة مع والدته (كان ذلك في عام 1994، أي قبل زمن وجود الهاتف الخلوي). ما زال "توني سيكوريا" يتذكّر كلّ لحظة مما حدث له فيما بعد : "كنت أتحدّث مع أمي بالهاتف. ثم لاحظت زخّة مطر ضعيفة وسمعت رعدا على مسافة. قُطَعتْ المكالمة مع والدتي، ثم انقذفَ هاتفي بعيداً عن المكان الذي كنت أقف فيه حين صُعقت. أتذكّر بريقا من الضوء وقد انبثق من خارج الهاتف. لقد ضربني ذلك النور في وجهي. الشيء الأخير الذي أتذكّره هو "أنّي طرت لبضعة أقدام نحو الخلف". بعد ذلك –بدا متردّداً قبل أن يخبرني بالشيء التالي- "حَلَقتُ إلى الأمام. كنت مرتبكاً. تَلفتُّ من حولي، فرأيت جسدي واقعاً على الأرض. قلت في نفسي، "متّ، للأسف". رأيت أناسا يقتربون من ذلك الجسد. كذلك رأيت امرأة –كانت تقف خلفي تماماً منتظرةً استخدام الهاتف- وهي تنحني بنفسها من فوق جسدي وتناولني شيئاً من الـ “CPR” … ارتقيتُ عائماً السلالم –كان شعوري قد عاد إليّ- رأيت أطفالي وأدركت بأنهم كانوا على ما يرام. بعد ذلك، طوّقتني دفعة بيضاء من النور… شعور عظيم بالراحة والأمان. لم أشعر بأيّ انفعال مُترافقاً مع ما حدث… كانت فكرة محضة، إثارة خالصة. بعدها تولّد عندي إحساسٌ بتسارع الأمور، لأنّي كنت أُسحبَ… كلّ شيء كان يجري بسرعة وسير منتظم. ثمّ، كما قلت ذلك في نفسي حينها "هذا هو أعظم شعور بالمجد صادفته في كلّ حياتي،- السلام! لقد عدتُ ثانية".

كان الدكتور "سيكوريا" يعرف بأنه قد عاد إلى جسده، لأنه كان يشعر بألم –ألم متولّد عن حروق في وجهه وقدمه الشمالية، حيث عبرت الشحنة الكهربائية التي حرّكت جسمه- وكما أدرك ذلك فيما بعد، بأنّ "الأجساد هي وحدها منْ يتألّم". كان يرغب في العودة والطلب من تلك المرأة التوقّف عن إعطائه الـ CPR، وأن تدعه يذهبَ، لكن ذلك كان متأخّراً جداً- فهو قد عاد بقوّة ليكون ثانية وسط الأحياء. بعد دقيقة واحدة أو دقيقتين، حينما كان ما يزال قادراً على الكلام، قال لها "كلّ شيء على ما يرام، أنا طبيب". فردّت عليه المرأة (التي تبيّن لاحقاً أنها واحدة من طاقم العناية الفائقة) "قبل بضعة دقائق، لم تكن كذلك".

قَدمتْ الشرطة وكانت تنوي القيام بمكالمة هاتفية لطلب سيارة إسعاف، غير أنّ "سيكوريا" قد رفض؛ لذا، وعوضاً عن ذلك، رافقوه إلى داره. ("بدا الأمر وكأنه أستغرقَ ساعات")، عندما هتف إلى طبيبه الخاص، الاختصاصي بأمراض القلب. ظنّ الاختصاصي أنّ "سيكوريا" كان تعرّض لسكتة قلبية عارضة، لكنه لم يتمكّن من العثور على أيّ شيء ينقص فحصه أو في الـ “EKG. "فبسبب أشياء كهذه، يمكنك أن تكون حيّاً أو ميتاً"، ذلك ما أشار عليه الاختصاصيّ بأمراض القلب. لكنه لم يضع في حسبانه أن الدكتور "سيكوريا" سيعاني من عواقب لاحقة ناتجة عن هذه الحادثة الغريبة.

استشار "سيكوريا" طبيب أعصاب أيضاً - كان يشعر بالإنهاك (وهذا شيء غاية في الغرابة بالنسبة له) ويعاني من بعض الصعوبات المتعلّقة بذاكرته. إذ وجد نفسه في حالة من النسيان يصعب عليه معها تذكّر أسماء أناس كان يعرفهم من قبل. ثم أُجريت له فحوصات نيرولوجية (عصبية) وخضع كذلك للـ EEG والـ MRI. وثانية، لم يظهر أي شيء ينقص الفحص.

بعد أسبوعين من ذلك، حين عادت له قواه، رجع الدكتور "سيكوريا" إلى عمله. غير أن ذاكرته كانت ما تزال تعاني من بعض الصعوبات والبطء - كان ينسى، أحياناً، أسماء بعض الأمراض النادرة أو الطرق الجراحية - لكن مهاراته الجراحية لم تتلف بكاملها. بعد أسبوعين آخرين، اختفت مشاكله المتعلقة بالذاكرة، وسيكون ذلك، كما كان يظنّ، نهاية الأمر.

ما حدث بعد ذلك لا يزال يملأ "سيكوريا" بالحيرة حتى الآن، أي بعد انصرام أكثر من عشرة أعوام. عادت حياته، ظاهريا، إلى مجراها السابق، ثم "باغتته لمدّة يومين أو ثلاثة رغبة لا تقاوم في الإصغاء لموسيقى البيانو". و"لم يكن لذلك أية علاقة بماضيه". فهو لم يتلقّ سوى بضعة دروس في البيانو، حين كان صبيّاً، كما يقول، بيد أنّ هذا لم يحظ لديه بأيّ اهتمام حقيقيّ. كما لم يكن يمتلك جهاز بيانو في داره. فكل الموسيقى التي كان يسمعها هي من النوع الذي يميل نحو موسيقى الروك.

مع بداية حاجته الماسّة والمفاجئة لموسيقى البيانو، شرع بشراء أسطوانات فونغرافية، وأصبح مولعاً "بفلاديمير أشنيسكي" Vladimir Ashenesky الذي سجّل مآثر شوبان - "البولونية العسكرية"، درس "عاصفة الشتاء" ودرس "المفتاح الأسود"، على المنخفض-أ من السلم الموسيقى الكبير البولوني، والمنخفض-ب من السلم الصغير ليشرتسو Scherzo. "لقد أحببتها جميعها"، قال "سيكوريا". "كانت تتملّكني الرغبة في لعبها، وكنت متمكناً من الصفحة الموسيقية بكاملها. عند هذه النقطة، سألتني إحدى مرافقات أطفالي إذا ما كان بمقدورها نقل جهاز البيانو الخاصّ بها إلى دارنا - وهكذا وصلنا البيانو، بالدقّة في اللحظة التي كنت أتحرّق فيها من أجل الحصول على واحد، بيانو صغير ورائع. كان ذلك البيانو مُلائماً لي تماماً. كان يصعب عليَّ للغاية قراءة الموسيقى، ولم يكن بمقدوري سوى لعبها، لكني بدأت بتعلّمها". لقد مضى أكثر من ثلاثة عشرة عاماً على تلك الدروس القليلة في البيانو التي تلقاها "سيكوريا" في طفولته، ومع ذلك، ما زالت أصابعه متشنّجة وخرقاء.

بعد هذا، وعقب رغبته المفاجئة بموسيقى البيانو، شرع "سيكوريا" بالإصغاء للموسيقى في رأسه. "في المرة الأولى"، كما قال، "كان ذلك في حلم". كنت أرتدي ملابس سهرة، فوق خشبة مسرح، وكنت ألعب شيئاً كتبته أنا بنفسي. استيقظت مضطرباً وكانت الموسيقى ما تزال ترنّ في رأسي. قفزت خارج السرير وشرعت بالكتابة بالقدر الذي أتذكّره. لكن كان من العسير عليَّ معرفة كيف ينبغي تسجيل ما سمعته". لم يكن ذلك مستغرباً، فهو لم يحاول أبداً كتابة أو تسجيل موسيقى من قبل. لكن في كلّ مرّة يجلس فيها لكي يشتغل على شوبان، كانت موسيقاه الخاصة "تقدمُ وتستولي عليه، فحضورها القويّ لا يقاوم".

لم أكن متأكّداً مما يمكنني فعله بهذه الموسيقى الطاغية، التي كان بإمكانها إقحام نفسها عليه بقوة وسحقه. هل كانت لديه هلوسة موسيقية؟ كلا، فالدكتور "سيكوريا" قال لي بأنها لم تكن هلوسة –"إلهام" هي المفردة المناسبة. كانت الموسيقى حاضرة هناك، قائمة بعمق في داخله - أو في مكان آخر- وكان جلّ ما بمقدوره القيام به حيالها هو تركها تقدم نحوه. "إنها تشبه الذبذبةِ، شريط راديو. وإذا ما فتحت نفسي، فإنها ستقدم. كنت أوّد القول بأنها تأتي من السماء، كما قال موزارت".

ما كان لموسيقاه لتتوقف. " إنها لا تنضب أبداً"، واصل حديثه. "لو كان بإمكاني القيام بأي شيء، لأوقفتها".

ما يتحتم عليه الآن القيام به لا يقتصر على المصارعة لكي يتعلم كيف يلعب شوبان، بل ينبغي عليه أيضاً إعطاء شكل لتلك الموسيقى التي تجري داخل رأسه. إذ لا بدّ له من القيام بمحاولة لعبها على البيانو، ووضعها على الورق. "إنه صراع مرعب"، كما قال. "كان عليَّ الاستيقاظ في الساعة الرابعة صباحاً ومن ثم أشرعُ في اللعب حتى الساعة التي أغادر فيها الدار للذهاب إلى عملي، وحين كنت أعود من العمل إلى البيت، أجلس إلى البيانو وأواصل اللعب طيلة المساء. في الواقع، لم تكن زوجتي مسرورة من ذلك. كنتُ مأخوذاً".

بعد ثلاثة أشهر من هجوم الضوء عليه، تحول "سيكوريا"من رجل سهل العشرةِ، رجل بيت أصيل، ولا يكترث تقريباً بالموسيقى، إلى مُلهم، وحتى مهووس بالموسيقى، ونادراً ما كان لديه الوقت لشيء آخر سواها.

ثم استولت عليه فكرة "خلاصه" من أجل غرض خاص. "أخذت بالتفكير"، كما قال، "بأن السبب الوحيد الذي وهبني إمكانية البقاء هو الموسيقى". سألته إذا ما كان رجلاً مُتديناً قبل أن يفاجئه ذلك الضوء. قال أنه قد تربّى على الطريقة الكاثوليكية، لكنه لم يكن مهتماً في هذا أبداً؛ كانت لديه بعض المعتقدات "الأرثوذكسية"، كمعتقد التجسّد.

لقد بدأ بالتفكير بأنه هو نفسه قد عاش تجربة التجسّد تلك، وبأنه قد تحوّلَ ومُنحَ موهبة خاصة، رسالة تبشيرية، وأصبح"متآلفاً" مع ما أسماه بالموسيقى، بطريقة نصف مجازية، "الموسيقى القادمة من السماء". ثم تحوّلت تلك الموسيقى في الغالب إلى "شلال مطلق" من الملاحظات التي لا تهدأ ولا تكفّ عن الاختلاط فيما بينها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حسين عجة ، في 30 مايو 2009 الساعة: 10:55 ص

 

مصطفى صفوان
عن تجربة التحليل اللاكانية(٭)

حوار : آلان ديديه فييّ
ترجمة : حســــين عجـــــة


 

كان التكون الذهني لمصطفي صفوان، قبل أن يصبح محللاً ومُنظراً في حقل تجربة التحليل النفسي، فلسفياً.

 قام بترجمة كتاب فرويد «تفسير الأحلام» إلى العربية، عندما كان خاضعاً في وسط أربعينيات القرن الماضي للتحليل تحت إشراف «مارك شلومبرجه»، كمتعلم في «جمعية التحليل النفسي الباريسية» اختار «جاك لاكان» كمشرف على تحليله في بداية الخمسينيات وظل منذ ذلك اليوم واحداً من الأوفياء والمقربين له.

بعد حل «المدرسة الفرويدية»، أصبح مصطفى صفوان من الأعضاء المؤسسين «للجمعية التأسيسية للتحليل النفسي»،  في عام 1983، ومن ثم «المؤسسة الأوروبية» للتحليل النفسي. مؤلف للعديد من الأعمال، من ضمنها «البنيوية في التحليل النفسي» و«دراسات حول أوديب»، المنشورة على التتابع في عامي 9168 و1974 في منشورات «سي»، وحتى قيامه بنشر «اللاكانيا» في منشورات «فيارد» عام 2001.

٭ آلان ديديه فيّي: أنتَ واحد من المحللين القلائل الذين تابعوا وقدروا دروس«لاكان» منذ خمسينيات القرن الماضي، حتى قبل بدء محاضراته العامة. ما الذي جرى أثناء لقائك بـ«لاكان» الذي أحدث تحولاً في العمل التحليلي لم تبطل مصداقيته منذ أربعين عاماً؟

مصطفى صفوان: في المرحلة التي بدأت العمل بها مع «لاكان»، كمشرف على التحليل، لم أكن أفهم أي شيء مما يحدث في هذه التجربة. إلى حدّ كنت أفكر بترك التحليل النفسي. كنت أعتقد بأني سأجد شيئاً آخر أقوم به…

لقد كان فهم التحليل النفسي حينذاك محصوراً أما بفهمه باعتباره سيكولوجية أعماق، مع أن هذا العمق قد أصبح سطحاً بكامله، وذلك لأن الاستيهامات (الفنتازمات)- المتعلقة بالإغواء، القتل، وأكل لحوم البشر- كانت معروضة على ورق أي كتاب، أو كسيكولوجية سلوك تدع نفسها تُقاد عبر مفاهيم تمّ تجريبها في المختبر، كتعابير «الإحباط، العدوانية، والتقهقر» عند الفئران مثلاً.

لم أكن مقتنعاً بكل هذا، وعندما التقيت بـ«لاكان» الذي كان يقول: «التحليل النفسي هو تجربة الخطاب»، شرعت بالقيام بشيء اسمه الإصغاء. بعد ذلك، انطلاقاً من عام 1945، باشرت بترجمة كتاب «تفسير الأحلام» إلى العربية، والذي كرست له خمسة أعوام طوال. في تلك المرحلة ولدَ ما يطلق عليه النقلة التحليلية. أي في الوقت الذي شرع به «لاكان» أعطاء محاضرات، في بيته، ٥ شارع ليلل.

٭ آلان دانيال: لقد كنتَ شاهداً على واقع أن اولئك الذين عملوا مع «لاكان»، سواء كانوا من المحللين أو من المشرفين على التحليل، قد عاشوا معه تجربة مدهشة: لم يكن «لاكان» يقدّم لهم شيئاً «معروفاً من قبل»، ولكن بالأحرى بُعداً لما هو غير متوقع، شيء لم يُسمع به من قبل…

مصطفى صفوان: نعم. وسأعطيك مثالاً على ذلك يحضر في ذهني الآن. في يوم ما قامت بمراجعتي سيدة لكي  تعالج شعورها بعقدة الدونية، وعندما طلبت منها الاستلقاء على الأريكة كان رد فعلها هو النفور - لأن ذلك الوضع كان يشعرها بتلك الدونية، كما قالت. كنت على وشك أن أقول لها بأن ذلك احتجاجاً أنثوياً، لكني سرعان ما فكرت بأن تأويلاً كهذا شيء عبثي ومن ثم ذهبت لرؤية «لاكان» لكي يخرجني من ورطتي. وإذا به يقول لي مباشرة: «ولم لمْ تقل لها بأنها كانت قد جاءت بالدقة للحديث عن ذلك الوضع.؟». لقد أدهشني ذلك تماما: تساءلت مع نفسي لمَ لمْ أفعل ذلك؟ ولقد عثرت على الإجابة فيما بعد: لقد كنت منغمراً للغاية في موقعي -موقع التفوق-، ولم أستطع قول ذلك له أيضاً. هذا واحد من الأمثلة التي يمكن أن تُدهش المرء، تمسه وتجعل منه شخصاً آخر مختلفاً عن ذلك الذي كان عليه قبل أن يتحدث مع «لاكان».

٭ آلان ديديه: ألا تعتقد بأن «لاكان» إذا كان يعرفُ كيف يُدهش الآخرين، فذلك لأنه كان مؤهلاً عبر ممارسته لمهنته للاندهاش هو نفسه؟ ألم يكن يجعل الشخص الذي يندهش يفهم التالي: بأن الذات اللاواعية لا تنتج أبداً عن علاقة التفوق والدونية، ولكن عن الفارق المحض وحسب؟ وكأن هناك، على هذا الصعيد، مساواة مطلقة ما بين المُحللْ والمحللِ، طالما أنه ليس ثمة معرفة قائمة قبل لقائهما؟

مصطفى صفوان: لم تكن لدى «لاكان» عقيدة، ولا مذهب يجعله يعرف المرء بدءاً وكأنه مادة شفافة تقف أمامه. كذلك كان بإمكانه الاندهاش. فالتمييز ما بين الآخر الذي يمكن أن يكون شفافاً والآخر باعتباره قادراً على الكذب، التظاهر، قول كلام صادق أو عكسه، كان يشكل بُعداً أساسياً في نظريته: كان «لاكان» يضع جهده في خدمة ذلك الآخر الذي يفلت من المعرفة، والذي هو ليس الفرد العادي الذي يشبهنا، ولكن ذلك الذي لا يمكن القبض عليه منذ البداية. هذا ما هو مؤكد.

٭ آلان ديديه: هل تعتقد بأن وضع «لاكان» لتلك المعرفة النظرية التي يتمتع بها المُحللْ بين هلالين قد ساهمت بتغذية عداوة بعض المُحللين ضده؟

مصطفى صفوان: لا أعرف ما الذي كان يدور في رأس خصومه، لكن، وفقاً لنمط الممارسة التي وصفتها قبل قليل، كان قد قلبَ ادعاء المعرفة المُسبق الذي يتم عبره علاج هذا الرجل أو تلك المرأة اللذان يجدهما المُحللْ أمامه. لقد قام «لاكان» بذلك الانقلاب وإن كان، في تلك اللحظة، ما زال بعيداً عما سيُنظر له في النهاية، والذي بينَ فيه بأن ما يُحدّد التحليل النفسي ليس المعرفة، بل الرغبة.

إن نقد «لاكان» لتحديد التحليل باعتباره معرفةً كان حاضراً في مؤتمر روما، حيث رأيناه يتهكم من محلل ساذج -أعرف على من كان يُشير، لكن لا جدوى من ذكر اسمه-، فذلك المحلل كان يظن بأنه يكفي أن يقول لمريضه ما الذي حدث له حتى ينتهي مرضه. وكأن المعرفة كانت على وشك حمل الخلاص له. ألا تظهر لنا التجربة بأنك عندما توصل معرفتك لأحدهم، فانه سيرد عليك: «أعرف ومن ثم؟» إن الاستقبال السيء الذي تمّ فيه تلقي نظرية «لاكان» متأت بصورة خاصة من واقع أن التحليل قد تأسس من حول فكرة تجعل من معرفة المحلل امتيازاً يضعه في مصاف الأعيان،

 إلى جانب الحُكام، المحامين، والأساتذة، الخ…

٭ فلورنس كرافاس: قلت للتو بأن العلاج والشفاء، بالنسبة لـ«لاكان»، لا يمران عبر المعرفة-الدعية للمحلل. عبر ماذا يمكنهما أن يمرا؟

مصطفى صفوان: هذا يحدث عبر الإصغاء: إذا كنت تتمتعين بإصغاء جيد، ستلاحظين بأن الذات التي تتعاملين معها تتمتع، هي أيضاً، بمعرفةً، فقط انها معرفة لا يتمكن المريض من البوح بها، ولا  يقدر على مفصلتها حتى. إن موقع الحقيقة كامن في عدم التمكن من قولها بتلك الطريقة؛ فهي تجد نفسها دائماً على مستوى آخر، أي مستوى الشيء الذي لا يدع نفسه يُقال علانية ولكن يمكننا سماعه؟

٭ آلان ديديه: ما تقوله يذكرني بذلك القلق غير العادي الذي استولى على «مدرسة التحليل النفسي العالمية» حينذاك، عندما دعتها «الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي» للإنضمام إليها. لقد أجرت «مدرسة التحليل النفسي العالمية» نوعاً من المحاكمة، ترأسها «بيير تيركه» (Pierre Tuequet)  .

 تهدف لاستجواب طلاب «لاكان» لفهم الطريقة التي كان يمارس بها تدريسه. بعد ثلاثين عاماً تبدو هذه القصة، بالنسبة لجيلي، شيئاً لا يُصدق. سؤالي الأول هو: لماذا وافق الأفراد الذي كانوا مُنخرطين في التحليل مع «لاكان» على مثل الاستجوابات؟ والثاني: ما الذي كان يبحث عنه «بيير تيركه» ومن تبعه بإستجوابهم للمحللين، مثلك، معرفته؟

مصطفى صفوان: بالنسبة لهم، لم تكن القضية تتعلّق حتى بفهم أي شيء، ما كانوا يرغبون به هو معرفة كم من الوقت كانت تستغرقه كل جلسة تحليل-كان ذلك قسماً عقائدياً بينهم. فهم كانوا يتصورون التحليل النفسي وكأنه لعبة لها عدد معين من القواعد، قاعدة الامتناع، قاعدة تداعي الأفكار، القاعدة القاضية بأنه إذا ما قال المُحللْ أو المحلل شيئاً لا ينبغي عليه بعد ذلك إنكار ما قال، لأنه عكس ذلك سيتفلش كل شيء. هناك إذن مجموعة من القواعد وبالنسبة لهم، كانت الـ ٤٥ دقيقة التي تستغرقها  جلسة التحليل تشكل واحداً من تلك القواعد. كانوا يريدون معرفة إذا ما كانت القواعد مُطبقة أو لا.

لقد وجدَ «لاكان» نفسه في موقف غاية في الصعوبة، ذلك لأنه كانت له طريقته الخاصة في التعامل مع خطاب اولئك الذين يقومون بالتحليل معه: فلأنه كان يضع المعرفة في الأفراد الذين يقوم بتحليلهم، ولأن تلك المعرفة، بمغزاها، كانت تُنتج زمنية خاصة بخطاب الفرد المُحللِ، لذا لم يعد ممكناً التعامل مع الزمن، الذي ينظمه مدلول التجربة، من منظور عقارب الساعة. وبالرغم من ذلك، لم يكن يرغب بأن يتم إبعاده عن «مدرسة التحليل النفسي العالمية» وبالتالي فقدان الاتصال مع أناس كانوا، من حيث المبدأ، زملاءه، ويريد التحاور معهم. لهذا فقد لجأ إلى مناهج ملتوية: لقد طلب من البعض من طلابه الكذب والقول بأن زمن جلسة التحليل كان يستغرق ٣٠ دقيقة؛ ولقد كان لهذا نتائج كاسحة. هي آثار للموقف الصعب والمستحيل الذي كان قد وُضعَ به.

٭ آلان ديديه: لماذا كان يحرص إلى هذا الحدّ على إبقاء علاقة ما مع المدرسة العالمية للتحليل؟

مصطفى صفوان: لقد كانت تلك المدرسة وبالرغم من كل شيء الوسط الذي كان يلتقي من خلاله بزملائه.

فعندما يكون المرء مُحللاً فانه يرغب أن يسمعه محللون. وكان تعليمه، من وجهة نظره، يتوجه إلى أولئك المحللين. الإبتعاد نهائياً عن تلك المدرسة كان يعني، إذن، قبوله بالصمت.

٭ آلان ديديه: هل ثمة من علاقة ما بين الهمْ المرتبط بتجربة التحليل والحاجة الشديدة عند بعض المحللّين في أن يتم قبولهم عبر انتمائهم للمؤسسة؟

مصطفى صفوان: هل تتحدث عن تلاميذ «لاكان» الذين صوتوا لصالح الانضمام إلى المدرسة العالمية

للتحليل، أي الذين صوتوا ضده في لحظة الانشقاق الثاني؟

٭ آلان ديديه: بالفعل.

مصطفى صفوان: لا ينبغي أن نكون قساة وتبسيطيين حيال الناس. فالجيل الأول، مثلما يُسمى، تلاميذ «لاكان» كان مكوناً من أفراد دعموه في نزاعه الأول مع مؤسسة التحليل الباريسية. يُضاف إليهم تلاميذ المؤسسة الجديدة -المؤسسة الفرنسية للتحليل النفسي- والذين أختاروا «لاكان» كمحلل أو مشرف عليهم.

كذلك يجب عليَ القول بأنه كان «للاكان» ثقة بلا حدود  بطلابه.  كان ينظر لهم باعتبارهم زملاء له،

متعاونين معه، ولكن أيضاً باعتبارهم لسان حال، حتى لا أقول أنبياء. وهذا ما كان يَفتَرضُ نوعاً من الفهم المنقوص لما كان يعرفه هو أفضل من أي شخص سواه: فتوقع كهذا كان لا بد وأن يتم الإحساس به، من قبل التلميذ، كضغط ثقيل جداً.

لقد شكل ذلك مطالبة لا يمكن تحقيقها، فعندما تحضر  دروس «لاكان» لا بد لك من أخد ملاحظات. لكن، فيما بعد، عندما تعود إلى دارك لا تقوم بدراسة تلك الملاحظات، فأنت محلل نفسي، وعليك استقبال ناس تتحمل إزاءهم مسؤولية الاستمرار بالعلاج. إذ لا يمكن للأفكار التي سمعتها عند حضورك  لدروس «لاكان»  أن تعود ثانية إلى ذهنك، وتنير لك دربك الخاص، إلاّ إذا ما شرعت أنتَ بالتفكير بما تقوم به وحسب.

فإذا ما تجشمت عناء الكتابة، ستنتج نصاً يتضمن  بعضا من أفكار «لاكان»، لكنه يظل، في غالبيته، نصك أنتَ بالذات. وهذا سبب في قول «لاكان» بأن البعض يأخذ أفكاره، ويشوهها، أو أنه قد فهمها  خطأً.

ولكي أعطيك مثالاً، كان هناك، ضمن تقاليد «الجمعية الفرنسية للتحيل النفسي»، نهارات حرة. أتذكر بأن «بونتالس» و«بيرا أولانيه» قد أعدا بهذه المناسبة تقريراً عن «الترانسفير» (transfer) (النقلة التي  تحدث عند الفرد الذي يجري تحليله) ، مستخدمين بعض التعابير بطريقة لا تتطابق مع الطريقة التي كان يستخدمها «لاكان»، ان لم يكن تتناقض معها تماماً. حينئذ، قام «لاكان» بإيقافهما، وشهر بهما، وهذا ما زاد، كما هو واضح، من حدة التوتر.

ان يُقال بأن تلاميذ «لاكان» كانوا من الجهلة، مثلما أوحى هو بذلك عندما تحدث عن مناخ الجهل الذي  بدأ فيه تعليمه، فذلك ما هو زائف: فـ «أكتوف مانوني» والأب «باينارا» وكذلك «بونتالس» و«لابلانش»،  وغيرهم لم يكونوا أبداً جهلةً، فقد كانوا مثقفين للغاية. وإذا كان الكثير منهم، ومن غيرهم مثل «سمرينوف»  و«لانغ» قد صوتوا ضد «لاكان»، فذلك ليس من أجل الانضمام إلى جمعية للمحللين النفسيين تنسجم مع  أذواقهم. لقد كان ذلك بحكم التوتر الذي تميزت فيه علاقتهم بـ «لاكان».

بيد أن هذا لا يعني أني أعطيهم حقاً في ذلك. أتذكر أنه في لحظة الانشقاق الثاني كان البعض منهم، وبشكل خاص، مثلما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي